عماد الدين خليل
212
دراسة في السيرة
أن يفتتحها عنوة ، ولم يأمر بهجوم حاسم عليها ، كما حدث في العام الماضي مع حصون خيبر على سبيل المثال ، واكتفى بأن يدير القتال على أضيق نطاق ، بحيث أن جميع من استشهد من أصحابه خلال الحصار لم يتجاوزوا اثني عشر رجلا « 1 » ، ومن ثم أمر أن يؤذن في الناس بالرحيل ، فقفل المسلمون عائدين ، بعد بضع وعشرين يوما من الحصار ، إلى الجعرانة حيث جمعت السبايا والغنائم الكثيرة في أعقاب حنين : ستة آلاف رأس من السبي ، وأربعة وعشرون ألف بعير ، وأربعون ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية من الفضة . ولم يتسرع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في توزيعها أملا في أن يعود قادة هوازن مسلمين فيرد عليهم سبيهم وأموالهم ، ولكنهم لم يجيئوا إلا بعد انتظار طويل وزعت خلاله المغانم . وفي الجعرانة التقوا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وقالوا له : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنّا أهل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ، فامنن علينا منّ اللّه عليك . فسألهم الرسول : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ، فأجابوه : نساؤنا وأبناؤنا ، فردهم إليهم عن طيب خاطر من المسلمين ، وسألهم أن يخبروا زعيمهم مالك بن عوف الذي كان قد احتمى بالطائف أنه إن جاء مسلما ردّ عليه الرسول أهله وماله ، فاستجاب مالك لدعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتسلل من الطائف حيث قدم عليه معلنا إسلامه ، فرد عليه الرسول أهله وماله واستعمله على من أسلم من قومه والقبائل المجاورة . فأخذ مالك يداهم ثقيفا بمسلمي قومه ، ويهاجم قطعانهم وقوافلهم حتى ضيق عليهم « 2 » . وبذلك حقق الرسول صلى اللّه عليه وسلم هدفين اثنين بسياسته المرنة هذه أولهما كسب قبيلة هوازن ذات الشوكة وحلفاءها إلى معسكر المسلمين ، وثانيهما اتخاذها رأس حربة يضرب بها بقايا القوى الوثنية في المنطقة . بدأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك مهمة توزيع الغنائم على جنده وأتباعه . وناداه الأعراب : يا رسول اللّه ، أقسم علينا من الإبل والغنم ، وازدحموا عليه حتى ألجؤوه إلى جذع شجرة اختطفت عنه رداءه فقال : ردّوا عليّ ردائي أيها الناس فو اللّه إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلا
--> ( 1 ) ابن هشام ص 310 الطبري 3 / 85 ابن سعد 2 / 1 / 114 - 115 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 54 - 55 . ( 2 ) ابن هشام ص 311 - 314 الطبري 3 / 86 - 89 ابن سعد 2 / 1 / 110 - 111 الواقدي 3 / 949 - 956 .